أحمد بن محمود السيواسي
238
عيون التفاسير للفضلاء السماسير ( تفسير الشيخ )
[ سورة يوسف ( 12 ) : آية 47 ] قالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَباً فَما حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلاَّ قَلِيلاً مِمَّا تَأْكُلُونَ ( 47 ) ( قالَ ) له يوسف معبرا : أما السبع البقرات السمان والسبع السنبلات الخضر فهي سبع سنين خصب ، وأما السبع العجاف والسبع اليابسات فهي سبع سنين قحط ، ثم قال ( تَزْرَعُونَ ) معلما مصالحهم لهم وهو خبر بمعنى الأمر ، أي ازرعوا ( سَبْعَ سِنِينَ دَأَباً ) أي عادة ، مصدر في معنى الحال ، أي دائبين ، يعني اعملوا زراعتكم على عادتكم ( فَما حَصَدْتُمْ ) من الزرع ( فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ ) فهو أبقى لكم كيلا يأكله السوس إذا كان في سنبله ، وهذا الأمر دليل على كون « تَزْرَعُونَ » في معنى الأمر ( إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ ) [ 47 ] أي تدرسون بقدر ما تحتاجون للأكل أمرهم بحفظ الأكثر والأكل على قدر الحاجة . [ سورة يوسف ( 12 ) : آية 48 ] ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذلِكَ سَبْعٌ شِدادٌ يَأْكُلْنَ ما قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلاَّ قَلِيلاً مِمَّا تُحْصِنُونَ ( 48 ) ( ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذلِكَ ) الخصب ( سَبْعٌ شِدادٌ ) أي سبع سنين قحط ، سميت بالشداد لشدتها على الناس ( يَأْكُلْنَ ) أي يفني السنون ( ما قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ ) يعني يؤكل فيهن ما أعددتم لهن من الطعام ، أضاف الأكل إلى السنين على طريق التوسع ، ثم استثنى بقوله ( إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ ) [ 48 ] أي تحرزون وتدخرون للبذر . [ سورة يوسف ( 12 ) : الآيات 49 إلى 51 ] ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذلِكَ عامٌ فِيهِ يُغاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ ( 49 ) وَقالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ فَلَمَّا جاءَهُ الرَّسُولُ قالَ ارْجِعْ إِلى رَبِّكَ فَسْئَلْهُ ما بالُ النِّسْوَةِ اللاَّتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ ( 50 ) قالَ ما خَطْبُكُنَّ إِذْ راوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ قُلْنَ حاشَ لِلَّهِ ما عَلِمْنا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ قالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ ( 51 ) ثم بشر لهم بعد الفراغ من تأويل الرؤيا بقوله ( ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذلِكَ ) القحط ( عامٌ فِيهِ يُغاثُ النَّاسُ ) أي يمطرون من الغيث وهو المطر أو ينقذون من الشدة بسعة الرزق من الغوث وهو الإغاثة من قوي ( وَفِيهِ ) أي وفي ذلك العام ( يَعْصِرُونَ ) [ 49 ] العنب والزيتون ، بالياء والتاء « 1 » أو ينجون من الشدة بسعة العيش ، قوله « ثُمَّ يَأْتِي » إلى قوله « يَعْصِرُونَ » بشارة لهم بعد الفراغ من تأويل الرؤيا وتفصيل بحال العام « 2 » ، فبين لهم حال العام الثامن المبارك بالتفصيل ولا يعلم ذلك إلا بالوحي ، فذهب الساقي إلى الملك ، فأخبره بقول يوسف في تعبير رؤياه ( وَقالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ ) أي بيوسف ، لأن الملك قد عرف أن الذي قاله كائن ( فَلَمَّا جاءَهُ الرَّسُولُ ) وقال له أجب الملك فأبي أن يخرج مع الرسول ، أي تأخر « 3 » وتثبت « 4 » في إجابة الملك حتى يظهر براءته عما اتهم به وسجن فيه ( قالَ ) له يوسف ( ارْجِعْ إِلى رَبِّكَ ) أي سيدك العزيز ( فَسْئَلْهُ ما بالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ ) ليعلم أني مظلوم في الحبس ولم يصرح بذكر امرأة العزيز أدبا واحتراما ( إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ ) [ 50 ] أي بفعلهن القبيح لا يعلمه غيره فيجازيكم به ، قال عليه السّلام رحم اللّه : « أخي يوسف إن كان إلا ذا إناءة - أي ذا وقار وصبر - ولو كنت أنا لأسرعت الإجابة » « 5 » ، يقول ذلك هضما لنفسه وفيما فعل يوسف دليل على وجوب الاجتهاد في نفي التهم لقول عليه السّلام : « من كان يؤمن باللّه واليوم الآخر فلا يقف مواقف التهم » « 6 » ، قال ابن عباس : « لو خرج يوسف حين دعي لم يزل في قلب الملك شيء منه » « 7 » ، فجمع الملك النساء ثم ( قالَ ما خَطْبُكُنَّ ) أي ما شأنكن وما حالكن ( إِذْ راوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ ) هل وجدتن منه ذنبا بالميل إليكن ، قيل : إن امرأة العزيز راودته عن نفسه وسائر النسوة أمرنه بطاعتها « 8 » ، فلذلك خاطبهن بقوله ما خطبكن ( قُلْنَ ) أي قالت النساء اعترافا
--> ( 1 ) « يعصرون » : قرأ الأخوان وخلف بتاء الخطاب والباقون بياء الغيبة . البدور الزاهرة ، 164 . ( 2 ) قوله ثم يأتي إلى قوله يعصرون بشارة لهم بعد الفراغ من تأويل الرؤيا وتفصيل بحال العام ، م : - ب س . ( 3 ) أي تأخر ، م : - ب س . ( 4 ) وتثبت ، ب س : وثبت ، م . ( 5 ) ذكر السمرقندي نحوه ، 2 / 165 . ( 6 ) ولم أعثر عليه في كتب الأحاديث الصحيحة التي راجعتها . ( 7 ) انظر السمرقندي ، 2 / 165 . ( 8 ) أخذه المفسر عن البغوي ، 3 / 291 .